محمد هادي معرفة

472

التمهيد في علوم القرآن

مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال ، وهو رفع درجته في الآخرة . وثانيه مردف بالمهمّ الذي يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا . وثالثه مختم بالجمع بين الداعي والمدعوّ له . قال ابن الأثير : وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما تقصد له « 1 » ومن الإيجاز بالقصر ما لا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدّتها ، لا بل يستحيل ذلك عادة ، وهو أعلى طبقات الإيجاز وأشرفها وأعزّها شأنا ، ولا يوجد مثله في كلام البلغاء إلّا شاذّا نادرا . قال ابن الأثير : والقرآن الكريم ملآن منه « 2 » . قال تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ « 3 » . فقد جمعت الآية جميع مكارم الأخلاق والقصد في السلوك الذي هو الصراط المستقيم في الحياة . وهذا شأن جلّ آيات الذكر الحكيم ، وإن كان قد يرتقى شأن البلاغة في بعضها أوجها فوق أطباق السماء ، وقد يتنزّل بعضها إلى آفاق قريبة من متفاهم الأعراف ، وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 4 » إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ « 5 » . ومن ثم قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) : من شاء يرتع رياض الأنائق فعليه بآل حم . ومنه قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 6 » . إذ لا يمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة - على ما عرفت في كلام مسبق - . قال ابن الأثير : ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب : القتل أنفى للقتل .

--> ( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 337 . ( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 333 و 348 و 352 . ( 3 ) الأعراف : 199 . ( 4 ) الإسراء : 106 . ( 5 ) الزخرف : 3 . ( 6 ) البقرة : 179 .